عمر السهروردي

361

عوارف المعارف

وحكى عن الجنيد أنه كان يصوم على الدوام ، فإذا دخل عليه إخوانه أفطر معهم ويقول : ليس فضل المساعدة مع الإخوان بأقل من فضل الصوم غير أن هذا الإفطار يحتاج إلى علم . فقد يكون الداعي إلى ذلك شره النفس لا نية الموافقة . وتخليص النية لمحض الموافقة مع وجود شره النفس صعب . وسمعت شيخنا يقول : لي سنين ما أكلت شيئا بشهوة نفس ابتداء واستدعاء ، بل يقدم إلى الشيء فأراه من فضل اللّه ونعمته وفعله ، فأوافق الحق في فعله . وذكر أنه في ذات يوم اشتهى الطعام ولم يحضر ، ومن عادته تقديم الطعام إليه . قال ففتحت باب البيت الذي فيه الطعام وأخذت رمانة لآكلها . فدخلت السنور وأخذت دجاجة كانت هناك ، فقت : هذا عقوبة لي على تصرفى في أخذ الرمانة . ورأيت الشيخ أبا السعود رحمه اللّه يتناول الطعام في اليوم مرات أي وقت أحضر الطعام أكل منه ، ويرى أن تناوله للطعام موافقة الحق ، لأن حاله مع اللّه كان ترك الاختيار في مأكوله وملبوسه وجميع تصاريفه . وكان حاله الوقوف مع فعل الحق ، وقد كان له في ذلك بداية يعز مثلها ، حتى نقل أنه كان يبقى أياما لا يأكل ولا يعلم أحد بحاله ولا يتصرف هو لنفسه ، ولا يتسبب إلى تناول شيء ، وينتظر فعل الحق ليساقة الزرق إليه ، ولم يشعر أحد بحاله مدة من الزمان . ثم إن اللّه تعالى أظهر حاله وأقام له الأصحاب والتلامذة ، وكانوا يتكلفون الأطعمة ويأتون بها إليه ، وهو يرى في ذلك فضل الحق والموافقة . سمعته يقول : أصبح كل يوم وأحب ما إلى الصوم ، وينقص الحق على محبتي الصوم بفعله فأوافق الحق في فعله .